الشيخ أحمد فريد المزيدي
248
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : سمعت السريّ يقول : دخل السماك عليّ ، وجماعة من الناس كانوا عندي ، فتوقف وما قعد ، ونظر إليّ ، فقال : صرت مناخ البطالين . فرجع فما أعجبه هذا الاجتماع « 1 » . قال أبو جعفر الفرغاني : كنّا يوما عند الجنيد ، فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ، ويتشبهون بالصوفية ، ويقصّرون عمّا يجب عليهم من حقّ الجلوس ، ويعيبون من يدخل السوق ، فقال الجنيد : كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد ، ويأخذ بأذن بعض من فيه ، فيخرجه ، ويجلس مكانه ، وإني لأعرف رجلا يدخل السوق ورده كل يوم ثلاثمائة ركعة ، وثلاثون ألف تسبيحة ، قال : فسبق إلى وهمي أنه يعني نفسه « 2 » . قال أبو عمر الأنماطي : اعتلّ النوريّ ، فبعث إليه الجنيد بصرّة فيها دراهم ، وعاده فردّه النوريّ ، ثم اعتلّ الجنيد بعد ذلك ، فدخل عليه النوريّ عائدا ، فقعد عند رأسه ، ووضع يده على جبهته ، فعوفي من ساعته . فقال النوري للجنيد : إذا عدت إخوانك فارفقهم بمثل هذا البر « 3 » . قال الجنيد : المروءة احتمال ذلل الإخوان « 4 » . قال الجنيد للشبلي : يا أبا بكر ، إذا وجدت من يوافقك على كلمة مما تقول فتمسك به « 5 » . يحكى أن مريدا من مريدي الإمام الجنيد رضي اللّه عنه خيّل إليه أنه وصل إلى درجة الكمال ، وقال لنفسه : إن الوحدة أفضل لي من الصحبة ، واعتكف في زاويته وأعرض عن صحبة الجماعة ، فلما أقبل الليل جيء بجمل ، وقيل له : ينبغي لك أن تذهب إلى الجنة ، فركبه وأخذ يسير حتى بدا له مكان بهيج ، وكان فيه جماعة حسان الصور ، وأطعمة طيبة ، ومياه جارية ، واستبقوه حتى وقت السحر ، ثم نام فلما استيقظ رأى نفسه على باب صومعته حتى استشرت فيه رعونة الآدمية ، وأظهرت نخوة الشباب أثرها في قلبه ، فأطلق لسان
--> ( 1 ) انظر : نفحات الأنس للجامي ( ص 78 ) . ( 2 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 2 / 85 ) . ( 3 ) انظر : تاريخ بغداد ( 5 / 133 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 268 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 264 ) . ( 5 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 160 ) .